الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

289

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

وحياة ابنه الناصر « 1 » ، حتى سجن الهمداني بيد أسعد بن أبي يعفر « 2 » ، فطلبوا فيه ، فأعلمهم أنه لم يسجنه ، وأنّ أسعد سجنه في جرم أجرمه إليه ، فركب منهم الحسن بن محمد بن أبي العباس إلى أبي حسان « 3 » ، طالبا فيه فاعتذر ، وقال : إنما كتب إليّ فيه الناصر أن أسجنه له فهو في سجنه عندي ، فاطلبوا إليه ، فإذا أنعم ، فيكتب إليّ حتى أطلقه ، فانصرف . وعادوا جماعة العشيين الناصر في الطلب ، وأعلموه بما قال أسعد ، فأبعدهم وأغلظ لهم ، فأغلظوا له وتباعدوا أمرهم ، وأظهروا له الخلاف ، وقاد له الحسن بن أبي العباس بني جماعة وقاتله بمصنعه كتفي « 4 » ، فسأل الناصر وجوه خولان أن يصرفوه ويعلموه أنه قد فتح له الهمداني ، فرضي وصرف تلك الجموع ، ووادعه حتى صحّ له أن إطلاق الهمداني كان من جهة ابن زياد صاحب زبيد « 5 » ، فأدبر على

--> ( 1 ) هو الإمام أبو الحسن الناصر أحمد بن الهادي يحيى بن الحسين ، لم أعثر على تاريخ مولده ، كما أنه لم يظهر على مسرح الحوادث التي كانت أيام أبيه ، حتى ولا تلويحا ، مما يدل أنه فضل البقاء بجبال الرس ، أو كان حدثا يشتغل بالدراسة ولم تتوفر فيه مؤهلات الاشتراك في المعارك إذ ظل قابعا في جبل الرس إلى ما بعد وفاة والده الهادي ، وفي سنة ثلاثمائة قدم صعدة ، ولا ندري هل باستدعاء من أخيه ومن أهل الحل والعقد ؟ أم من ذات نفسه ؟ فالأسباب لدينا مجهولة ، ومهما يكن فقد اجتمع بأخيه بصعدة ، وأقاما معا إلى شهر صفر سنة واحد وثلاثمائة ؛ فاجتمعت خولان وبايعوه بالخلافة ، وأعطوه المواثيق الشديدة على نصرته ، وقد وفوا له بذلك ، وبعث عماله إلى المخاليف ، وكان إليه بلد صعدة ونجران . ثم اصطلح مع الأمير الكبير أبي جعفر أحمد بن محمد الضحاك سلطان حاشد ، وسلم إليه بعض بلد همدان ، وكانت له أيام ووقائع كثيرة . وكان الناصر عالما مفننا مشاركا في سائر الفنون ، وله آراء واختبارات في الفقه ، خالف فيها والده ، وله سيرة مدونة لم نطلع عليها بعد . وله مؤلفات ورسائل ومسائل مدونة ، وكانت وفاته سنة ثلاثمائة واثنين وعشرين هجرية على أصح الأقوال ، كما في سيرة الهادي ، وقال في غيرها سنة عشرين ، وقال الحاكم سنة خمس وعشرين . وكانت خلافته إحدى وعشرون سنة . ( 2 ) أسعد هو أبو حسان ملك اليمن وفارس حمير ، أسعد بن أبي يعفر إبراهيم بن محمد بن يعفر الحوالي . وستأتي ترجمته ونسبه في الجزء الثاني من الإكليل ، وأخباره وحروبه طويلة الذيول ، بل أنه سجل حافل بالعجائب من المفاجآت والمغامرات تكاد تكون أغرب من الخيال . ( 3 ) أبو حسان : هو ملك اليمن أسعد المذكور . ( 4 ) مصنعة كتفي بالتاء المثناة من فوق : وهي قرية خربة حصينة جدا ، وسكان المحلات المجاورة لها من بني خولى ، يتخذونها مخزنا للحبوب والأدوات ، وخاصة أيام الحروب والخوف . ( 5 ) ابن زياد : هو إبراهيم بن زياد بن إبراهيم بن محمد بن زياد أمير تهامة وملكها ، وكان جده محمد بن زياد أول من قدم واليا على تهامة سنة 204 أربع ومائتين ، من قبل الخليفة المأمون ، واتخذ زبيد عاصمة امارته وضخم ملكه واتسع نفوذه وأطاعه اليمن بأسره ، واستقل باليمن استقلالا داخليا . ودولة بني زياد أحد الدول التي استقلت عن دولة بغداد ، ولم يبق لخلفاء بغداد غير النواميس الظاهرة ، كضرب السكة والخطبة والمظاهر التي تدل على الاعتزاء إليهم ، وإبراهيم هذا ممن رابط مع أسعد في محاصرة المذيخرة على القرامطة ، وبعد انتهائها عقدت بينهم وبين الناصر معاهدة صداقة ظلت سارية المفعول حتى انقضت أيامهم .